الشيخ عبد العزيز الخطيب الحسيني
76
غرر الشام في تراجم آل الخطيب الحسنية ومعاصريهم
وبالجملة فباب الفضل واسع * ومع هذا فإن اللّه تعالى يغار لانتهاك حرماته ، ونبينا صلّى اللّه تعالى عليه وسلم عبد اللّه تعالى لا يملك إلا ما ملّكه مولاه * ولا ينال جميع ما تمناه * إلا أن يشاء اللّه * ألا ترى إلى قوله تعالى ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ) وقوله تعالى ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) فليس يعلم كل شخص أنه يشفّع فيه وإن كان أحب الناس إليه * ورتبته قريبة لديه * فهذا أبو طالب الذي نصر رسول اللّه * وأيده وآواه * مع أنه صنو أبيه * كافله ومربيه * فهل نفعه ذلك * ونجاه من المهالك « 1 » * وهذا نوح عليه السلام * الذي هو أبو الأنام * قال له تعالى في ابنه ( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) * فالكل تحت مشيئة اللّه تعالى ( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) . ولهذا كان صلّى اللّه تعالى عليه وسلم أشد الناس خوفا من ربه تعالى * وأعظمهم له مهابة وإجلالا * وكذلك كان أصحابه الأطهار * وأتباعهم الأبرار * فهذا عمر بن الخطاب الذي جهز جيوش المسلمين * ونصر شوكة الموحدين * وفتح البلاد * وقهر أهل العناد * وبشره الصادق بالجنة * وإسباغ الخير والمنة * ومع هذا قال : ليت أم عمر لم تلد عمر * وقال : « لا آمن مكر اللّه » ، فلم يتكل على ذلك كله * فان الناجي منا قليل إذا عاملنا تعالى بعدله * فلا يغتر ذو نسب بنسبه * ويجعله أقوى سببه * فإنه صلّى اللّه تعالى عليه وسلم حاز القدح المعلى * والمقام الأعلى * بمعرفة حقوق الربوبية * والقيام بما تستحقه من العبودية * فليعلم انه لا نسبة عنده صلّى اللّه تعالى عليه وسلم بين السيدة فاطمة التي هي فلذة كبده الطاهر * ومقام الرب عزّ وجل العلي القاهر * فيحب ما يحبه مولاه * ويسخط لما يسخط من خلقه وسواه * وان كان أحب الناس إليه ، بل يكون ذلك سببا لانسلاخ محبته إياه * فان اللّه تعالى أحب وأعز وأجل وأكبر من كل شيء عنده عليه الصلاة والسلام * كما لا يخفى على من له أدنى تمييز ، فضلا عن ذوي الأفهام * وفي انصرافه صلّى اللّه تعالى
--> ( 1 ) أقول : قد نفعه ذلك بتخفيف العذاب عنه في ضحضاح من نار ، ولولا كفالته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقرابته لكان في الدرك الأسفل ، والعياذ باللّه ، لكن مقصد ابن عابدين أنه لم ينفعه بخروجه من النار . عبد العزيز .